تحميل عرائس المروج بي دي إف

لقبعرائس المروج
فئة
LanguageArabic
حجم الملف126,0 ك.ب
إجمالي الصفحات20
Document Text Contents
Page 10

وكياسة ترجل عن ظهر جواده وحّياها بلطف ما تعودته من رجل قط، ثم سألها قائًل:"قد تهت عن الطريق
المؤدية إلى الساحل فهل لك أن تهديني أيتها الفتاة ؟" فأجابت وقد وقفت منتصبة على حافة العين :"لست

أدري يا سيدي ولكني أذهب وأسأل ولّيي فهو يعلم " .قالت هذه الكلمات بوجل ظاهر وقد أكسبها الحياء رقة
وجمال ،وإذ همت بالذهاب أوقفها الرجل وقد سرت في عروقه خمرة الشبيبة وتغيرت نظراته وقال :"ل ،ل
تذهبي" . فوقفت في مكانها مستغربة شاعرة بوجود قوة في صوته تمنعها من الحراك . ولما اختلست من

الحياء نظرة إليه رأته يتأملها باهتمام لم تفقه له معنى ويبتسم لها بلطف سحري يكاد يبكيها لعذوبته وينظر
بمودة وميل إلى قدميها العاريتين ومعصميها الجميلين وعنقها الملس وشعرها الكثيف الناعم ويتأمل بافتتان
وشغف كيف لوحت الشمس بشرتها وقوت الطبيعة ساعديها ،أما هي فكانت مطرقة خجًل ل تريد النصراف و

ل تقوى على الكلم لسباب ل تدركها .

في ذلك المساء رجعت البقرة الحلوب وحدها إلى الحظيرة ،أما مرتا فلم ترجع ،ولما عاد وليها من الحقل بحث
عنها في تلك بين تلك الوهاد ولم يجدها ،فكان يناديها باسمها ول تجيبه غير الكهوف وتأوهات الهواء بين

الشجار .فرجع مكتئبًا إلى كوخه وأخبر زوجته فبكت بسكينة طوال ذلك الليل وكانت تقول في سّرها: رأيتها
مرة في الحلم بين أظافر وحش كاسر يمزق جسدها وهي تبتسم وتبكي !

هذا إجمال ما عرفته عن حياة مرتا في تلك المزرعة الجميلة ،وقد تخبرته من شيخ قروي عرفها مذ كانت طفلة
حتى شبت واختفت من تلك الماكن غير تاركة خلفها سوى دموع قليلة في عيني امرأة وليها ،وذكرى رقيقة

مؤثرة تسيل مع نسيمات الصباح في ذلك الوادي ، ثم تضمحل كأنها لهاث طفل على بلور النافذة.



2

فعدت إلى بيروت بعد أن صرفت العطلة المدرسية في شمال لبنان ،وقبل دخولي إلى1900جاء خريف سنة
المدرسة قضيت أسبوعًا كامل أتجول مع أترابي في المدينة متمتعين بغبطة الحرية التي تعشقها الشبيبة

وتحرمها في منازل الهل وبين جدران المدرسة ،فكنا أشبه بعصافير رأت أبواب القفاص مفتوحة أمامها
فصارت تشبع القلب من لذة التنقل وغبطة التغريد ، و الشبيبة حلم جميل تسترق عذوبته معميات الكتب و

تجعله يقظة قاسية ، فهل يجئ يوم يجمع فيه الحكماء بين أحلم الشبيبة و لذة المعرفة مثلما يجمع العتاب بين
القلوب المتنافرة ؟ هل يجئ يوم تصبح فيه الطبيعة معلمة ابن آدم ، و النسانية كتابه ، و الحياة مدرسته ؟ هل

يجئ هذا اليوم ؟ ل ندرى ، و لكننا نشعر بسيرنا الحثيث نحو الرتقاء الروحى ، و ذلك الرتقاء هو إدراك جمال
الكائنات بواسطة عواطف نفوسنا و استدرار السعادة بمحبتنا ذلك الجمال .

ففي عشية يوم وقد جلست على شرفة المنزل أتأمل العراك المستمر في ساحة المدينة ، وأسمع جلبة باعة
الشوارع ومناداة كل منهم عن طيب ما لديه من السلع والمآكل ،اقترب مني صبي ابن خمس يرتدي أطمارًا

بالية ويحمل على منكبيه طبقًا عليه طاقات الزهور ، وبصوت ضعيف يخفضه الذل الموروث و النكسار الليم
قال:

- أتشتري زهرًا يا سيدي ؟

Similer Documents